فصل: (سورة الفرقان: آية 30):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة الفرقان: آية 30]:

{وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)}.
الرسول: محمد صلى اللّه عليه وسلم وقومه قريش، حكى اللّه عنه شكواه قومه إليه. وفي هذه الحكاية تعظيم للشكاية وتخويف لقومه لأن الأنبياء كانوا إذا التجئوا إليه وشكوا إليه قومهم: حلّ بهم العذاب ولم ينظروا.

.[سورة الفرقان: آية 31]:

{وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (31)}.
ثم أقبل عليه مسليا ومواسيا وواعدا النصرة عليهم، فقال وَكَذلِكَ كان كل نبىّ قبلك مبتلى بعداوة قومه، وكفاك بى هاديا إلى طريق قهرهم والانتصار منهم، وناصرا لك عليهم.
مهجورا: تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به. وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم: من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب العالمين، عبدك هذا اتخذني مهجورا، اقض بيني وبينه. وقيل: هو من هجر، إذا هذى، أى: جعلوه مهجورا فيه، فحذف الجار وهو على وجهين، أحدهما: زعمهم أنه هذيان وباطل وأساطير الأوّلين. والثاني: أنهم كانوا إذا سمعوه هجروا فيه، كقوله تعالى: {لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر، كالمجلود والمعقول. والمعنى: اتخذوه هجرا.
والعدوّ: يجوز أن يكون واحدا وجمعا. كقوله فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي وقيل المعنى: وقال الرسول يوم القيامة.

.[سورة الفرقان الآيات: 32- 34]:

{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)}.
{نُزِّلَ} هاهنا بمعنى أنزل لا غير، كخبر بمعنى أخبر، وإلا كان متدفعا. وهذا أيضا من اعتراضاتهم واقتراحاتهم الدالة على شرادهم عن الحق وتجافيهم عن اتباعه. قالوا: هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة، وماله أنزل على التفاريق. والقائلون:
قريش. وقيل: اليهود. وهذا فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته، لأنّ أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو مفرّقا. وقوله كَذلِكَ جواب لهم، أى:
كذلك أنزل مفرّقا. والحكمة فيه: أن نقوّى بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه، لأنّ المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء، وجزأ عقيب جزء.
ولو ألقى عليه جملة واحدة لبعل به وتعيا بحفظه، والرسول صلى اللّه عليه وسلم فارقت حاله حال موسى وداود وعيسى عليهم السلام، حيث كان أميا لا يقرأ ولا يكتب وهم كانوا قارئين كاتبين، فلم يكن له بدّ من التلقن والتحفظ، فأنزل عليه منجما في عشرين سنة. وقيل: في ثلاث وعشرين. وأيضا: فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين، ولأنّ بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرّقا. فإن قلت: ذلك في كذلك يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدّمه، والذي تقدّم هو إنزاله جملة واحدة، فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرّقا؟ قلت: لأنّ قولهم: لولا أنزل عليه جملة: معناه: لم أنزل مفرّقا؟ والدليل على فساد هذا الاعتراض: أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدّوا بسورة واحدة من أصغر السور، فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة، ثم قالوا: هلا نزل جملة واحدة، كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته وَرَتَّلْناهُ معطوف على الفعل الذي تعلق به كذلك، كأنه قال: كذلك فرقناه ورتلناه. ومعنى ترتيله: أن قدره آية بعد آية، ووقفة عقيب وقفة. ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا أى اقرأه بترسل وتثبت. ومنه حديث عائشة رضى اللّه عنها في صفة قراءته صلى اللّه عليه وسلم «لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه يعدّها» وأصله: الترتيل في الأسنان: وهو تفليجها. يقال: ثغر رتل ومرتل، ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه. وقيل: هو أن نزله مع كونه متفرقا على تمكث وتمهل في مدة متباعدة وهي عشرون سنة، ولم يفرقه في مدة متقاربة وَلا يَأْتُونَكَ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة- كأنه مثل في البطلان- إلا أتيناك نحن بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى، ومؤدّى من سؤالهم. ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام، وضع موضع معناه فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل: معناه كذا وكذا. أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون: هلا كانت هذه صفتك وحالك، نحو: أن يقرن بك ملك ينذر معك، أو يلقى إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة، إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه، وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ودلالة على صحته، يعنى: أن تنزيله مفرقا وتحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما تزل شيء منها: أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة ويقال لهم جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه، كأنه قيل لهم: إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته. ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم، لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله. وفي طريقته قوله: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} الآية ويجوز أن يراد بالمكان: الشرف والمنزلة، وأن يراد الدار والمسكن، كقوله أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازى وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم، وثلث على أقدامهم ينسلون نسلا.

.[سورة الفرقان الآيات: 35- 36]:

{وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (36)}.
الوزارة: لا تنافى النبوّة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا. والمعنى: فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، كقوله اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ أى فضرب فانفلق. أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أوّلها وآخرها، لأنهما المقصود من القصة بطولها أعنى: إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم. وعن علىّ رضى اللّه عنه فدمّرتهم. وعنه: فدمّراهم. وقرئ فدمّرانّهم، على التأكيد بالنون الثقيلة.

.[سورة الفرقان: آية 37]:

{وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (37)}.
كأنهم كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل صريحا. أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيب للجميع أو لم يروا بعثة الرسل أصلا كالبراهمة وَجَعَلْناهُمْ وجعلنا إغراقهم أو قصتهم لِلظَّالِمِينَ إمّا أن يعنى بهم قوم نوح، وأصله: وأعتدنا لهم، إلا أنه قصد تظليمهم فأظهر. وإمّا أن يتناولهم بعمومه.

.[سورة الفرقان الآيات: 38- 39]:

{وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (39)}.
عطف عادا على هم في جعلناهم أو على الظالمين، لأنّ المعنى: ووعدنا الظالمين. وقرئ:
وثمود، على تأويله القبلة. وأما المنصرف فعلى تأويل الحىّ أو لأنه اسم الأب الأكبر. قيل في أصحاب الرس: كانوا قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش، فبعث اللّه إليهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام. فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه. فبيناهم حول الرس وهو البئر غير المطوية. عن أبى عبيدة: انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم. وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة، قتلوا نبيهم فهلكوا، وهم بقية ثمود قوم صالح. وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان، كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير، سميت لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح، وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم، إن أعوزها الصيد. فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا: وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس: هو الأخدود.
وقيل الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار. وقيل: كذبوا نبيهم ورسوه في بئر، أى: دسوه فيها بَيْنَ ذلِكَ أى بين ذلك المذكور، وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت على معنى: فذلك المحسوب أو المعدود ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ بينا له القصص العجيبة من قصص الأوّلين، ووصفنا لهم ما أجروا إليه من تكذيب الأنبياء وجرى عليهم من عذاب اللّه وتدميره. والتتبير: التفتيت والتكسير.
ومنه: التبر، وهو كسار الذهب والفضة والزجاج. وكُلًّا الأوّل منصوب بما دل عليه ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وهو: أنذرنا. أو: حذرنا. والثاني بتبرنا، لأنه فارغ له.

.[سورة الفرقان: آية 40]:

{وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)}.
أراد بالقرية سدوم من قرى قوم لوط، وكانت خمسا: أهلك اللّه تعالى أربعا بأهلها وبقيت واحدة. ومطر السوء: الحجارة، يعنى أن قريشا مرّوا مرارا كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء أَفَلَمْ يَكُونُوا في مرار مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب اللّه ونكاله ويذكرون بَلْ كانُوا قوما كفرة بالبعث لا يتوقعون نُشُورًا وعاقبة، فوضع الرجاء موضع التوقع، لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن فمن ثم لم ينظروا ولم يذكروا، ومرّوا بها كما مرّت ركابهم. أو لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم. أو لا يخافون، على اللغة التهامية.

.[سورة الفرقان الآيات: 41- 42]:

{وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)}.
إِنْ الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة. واللام هي الفارقة بينهما. واتخذه هزوا:
في معنى استهزأ به، والأصل: اتخذه موضع هزؤ، أو مهزوءا به أَهذَا محكي بعد القول المضمر.
وهذا استصغار، وبَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا وإخراجه في معرض التسليم والإقرار، وهم على غاية الجحود والإنكار سخرية واستهزاء، ولو لم يستهزءوا لقالوا: أهذا الذي زعم أو ادّعى أنه مبعوث من عند اللّه رسولا. وقولهم إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا دليل على فرط مجاهدة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في دعوتهم، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم، ولَوْلا في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى- لا من حيث الصنعة- مجرى التقييد للحكم المطلق وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدّة الإمهال، ولابد للوعيد أن يلحقهم فلا يغرّنهم التأخير. وقوله مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا كالجواب عن قولهم إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا لأنه نسبة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الضلال من حيث لا يضلّ غيره إلا من هو ضال في نفسه. ويروى أنه من قول أبى جهل لعنه اللّه.

.[سورة الفرقان: آية 43]:

{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)}.
من كان في طاعة الهوى في دينه يتبعه في كل ما يأتى ويذر لا يتبصر دليلا ولا يصغى إلى برهان. فهو عابد هواه وجاعله إلهه، فيقول لرسوله هذا الذي لا يرى معبودا إلا هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام وتقول لابد أن تسلم شئت أو أبيت- ولا إكراه في الدين؟ وهذا كقوله وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ويروى أنّ الرجل منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر. ومنهم الحرث بن قيس السهمي.